الاثنين، 10 يونيو 2013

حقوق الإنسان في القوانين الوضعية



حقوق الإنسان في القوانين الوضعية
إعداد : طلال بن مسلم السناني

تعد قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي احتلت الصدارة والاهتمام العالمي والمحلي. وذلك مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت الحاجة للسلم العالمي، وضرورة خلق توازن دولي، إضافة إلى سعى عدد من الشعوب لتحقيق استقلالها، ومشروعها في بناء الدولة الوطنية، هذه الدولة التي واجهتها عدة مشاكل وعقبات مهمة، كان على رأسها الاختيارات السياسية والاقتصادية والأيدلوجية التي تبين أن لها علاقة مباشرة بموضوع حقوق الإنسان .
ومن هذا المنطلق يتناول الباحث حقوق الإنسان في القوانين الوضعية، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: الأسس الفلسفية التي قامت عليها حقوق الإنسان في القوانين الوضعية:
من خلال الإطلاع على بعض المؤلفات التي تناولت حقوق الإنسان في القوانين الوضعية يبرز لدينا عدد من الأسس التي قامت عليها تلك الحقوق، لعل من أهمها:
أولاً: فكرة الحق الطبيعي أو القانون الطبيعي:
وهي من أقدم التصورات الذهنية والمفاهيم العامة المجردة التي ظهرت في الفلسفة اليونانية وانتقلت إلى القانون الروماني وهذا التصور عبارة عن: "وجود قانون ثابت لا يتغير يعتبر المثل الأعلى الذي يجب أن تُنسج على منواله قوانين المجتمع لأنه قائم على مبادئ لم تؤخذ من تقاليد متفق عليها، ولا من قواعد محدودة في كتاب ، بل مصدره الطبيعة ، ويكشفه العقل ، من روح المساواة والعدل الكامنة في النفس".([1])
و هناك من يرى أن مفهوم الحق الطبيعي المتميز عن الحق الوضعي قديم قدم الفلسفة حيث برز في العصور الإغريقية القديمة حتى أخذت المسيحية هذا المفهوم الذي يظهر القانون الطبيعي وكأنه التعبير عن الإرادة الإلهية.
وتعني فكرة الحق الطبيعي أو ما يسمى القانون الطبيعي: وجود قواعد قانونية أسبق وأعلى من القانون الوضعي، خالدة ثابتة، يتميز بالموضوعية والمثالية، فهو لا يدين بوجوده لإرادة المشرع، كما انه قانون مستقل عن القانون الوضعي وأعلى منه.
ومن فكرة القانون الوضعي نتجت فكرة "مبدأ العدالة" وهي التي وجهت جهود القضاة الرومان سواء المختصين منهم بقضايا المواطنين أو المختصين بقضايا الأجانب في تقرير بعض المبادئ ، وهي الجهود التي برزت وأخذت مكانها في تاريخ القانون الروماني خلال الفترة المعروفة بالعصر الكلاسيكي أو العلمي، وكان في قانون الشعوب الذي يطبق على من ليسوا من المواطنين الرومان مجالاً فسيحا لمراعاة مبادئ العدالة وكان له أثره في توجيه القضاة المختصين بقضايا المواطنين الرومان إلى تلك المبادئ([2]).
ثانيا: فكرة أو نظرية العقد الاجتماعي:
كما أدت فكرة القانون الطبيعي إلى فكرة مبادئ العدالة بصورة ما ، فقد أدت إلى فكرة أو نظرية العقد الاجتماعي.
ويتردد مصطلح العقد الاجتماعي على امتداد تاريخ أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم وفي عدّة مجالات مختلفة منه، ابتداءً من ظهوره في فلسفات )سقراط وأفلاطون 400 ق.م), ومن ثمّ دراسته وبلورته بشكل "نظرية علمية" علي يد بعض علماء الاجتماع أمثال (توماس هوبز 1588-1679م),(جون لوك 1632-1704م) و(جان جاك روسو 1712-1778م)، لتظهر في ما بعد ذلك انعكاساته كرمز محرّك لأحداث سياسية غيرت مجرى التاريخ مثل (الثورة الفرنسية 1789م(.([3])
وتنطلق فكرة العقد الاجتماعي من خلال إعمال قانون الطبيعة ، أو مبدأ العدالة في المجال السياسي أو في تحديد العلاقات بين الحكام والمحكومين.
وتذهب نظرية العقد الاجتماعي إلى أن الدولة ترجع في أصل نشأتها إلى عقد من جانب الأفراد الذين كانوا يعيشون حياة فطرية بدائية لتكوين مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا ، وهكذا ترجع نشأة الدولة إلى الإرادة العامة للجماعة التي كونت الأمة وأقامت الدولة، ومن ثم تكون السيادة للأمة ولا تكون السلطة التي تمارسها الدولة مشروعة إلا حين تكون وليدة الإرادة العامة للأمة.([4])
ولذا تعرف نظرية العقد الاجتماعي بأنها: "نظرية فلسفية يراد بها تفسير فكرة أصل الدولة وقيامها، ومؤداها أن الدولة قامت نتيجة لتعاقد تم بين الشعب والملك([5]) بشروط معينة. وأية مخالفة من جانب الملك لهذه الشروط تعتبر مبرراً لفسخ العقد أي أن أصل الدولة هو ذا العقد الاجتماعي الذي يفترض تخلي الناس عن حالة الفوضى ليكونوا المجتمع الذي يعيشون فيه".([6])
ومن أبرز السلبيات لهذه النظرية ما ذكره سفر الحوالي بقوله: " وأوحت نظرية العقد الاجتماعي إلى الناس بفكرة جديدة هي الوطنية أو القومية إذ أن العقد يكون بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، وتتفق مصالحه مع مصالح الفرد ورغباته، لا مع مجتمع آخر بعيد مهما كانت قوة الصلة الدينية به، فهي تهدف إلى نزع ولاء الفرد من الكنيسة وإعطائه للدولة وإلى قطع الروابط الدينية ليحل محلها روابط وطنية، كما أنها جعلت القيمة العليا للمصلحة المادية الدنيوية التي بسببها تم إبرام العقد، وليست للملكوت الذي تبشر به المسيحية أو المثل أو الفضائل التي كان المجتمع يعدها أغلى ما يملك".([7])
ثانياً: المرجعية الغربية لحقوق الإنسان:
مرت صيغ حقوق الإنسان في الحضارة الغربية بمراحل عديدة ، دونت في وثائق تاريخية صدرت ابان عصر النهضة وقبله، وشكلت إحدى المصادر الأساسية عند صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، الصادر عن الأمم المتحدة، ومن أبرز تلك الوثائق([8]):
1.                  الشرعة الكبرى أو الماكنا كارتا عام 1215م، وهي عبارة عن مجموعة اتفاقات عقدت بين ملك إنكلترا والأمراء الثائرين تمنحهم ضمان ممارسة الحرية الشخصية وبعض الحقوق.
2.                  عريضة الحقوق في المملكة المتحدة (1628م) التي تضع حدوداً لسلطات الحكم في فرض الضرائب وكفالة الحرية الشخصية وتتضمن مبادئ عامة لسياسة الدولة التي يوافق عليها البرلمان.
3.                  إعلان الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية (1776م) حوى على نموذج للمبادئ الدستورية، ولحقوق الإنسان في الحرية والمساواة وتأمين الحريات العامة والعمل بمبدأ سيادة الشعب وتأمين الآليات الدستورية لنفاذه.
4.                  إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا (1789م) تضمن بنوداً تعترف بالحقوق الطبيعية العائدة للإنسان قبل نشوء المجتمعات مما يسمح للإنسان أن يعيش حياته الخاصة بالشكل المناسب له وكما يراه. وتعتبر الحرية والمساواة من ركائزه الأساسية إضافة إلى أهمية تحكيم القانون وشمولية الإعلان لكل بني البشر.
5.                  نظرية العقد الاجتماعي وتطوراتها كما جاءت من علماء الغرب هوبس(1679) وجون لوك(1704) وجان جاك روسو (1778) ، ساهمت بشكل فعال في بلورة الحقوق وقيام السلطة الحامية لها، والقائمة على مناهضة الحكم الاستبدادي المطلق، ومحاولة تشييد أساس للحكم الديمقراطي القائم على عقد متبادل بين السلطة وأفراد المجتمع مما يرتب الحقوق والواجبات بين الطرفين.
6.                  وجاءت حقوق الإنسان في عصبة الأمم عام 1919م ، ثم نص دستور الاتحاد السوفييتي عام 1936م، على حقوق أساسية وردت في ميثاق الأطلسي 1941م، و مواثيق أخرى حتى سنة 1946م متوجاً بتأسيس لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، ليصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 18 حزيران 1948م ، وصادقت عليه بصيغته النهائية الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الدول عندما تصادق على وثائق حقوق الإنسان تصبح أطرافا في ما يسمى بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تحتوي على المكونات التالية([9]):
1.   الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م.
2.   العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966م  والذي أصبح نافذً عام 1967م.
3.   العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966م.
4.   البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ثالثاً: نص إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1948م:
ولأهمية إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1948م، كون هذا الإعلان هو البداية الحقيقية لإعلانات أخرى اهتمت بحقوق الإنسان، رأى الباحث أن يذكر نص المواد التي تطرق إليها هذا الإعلان، والتي جاءت على النحو التالي:
المادة 1 : يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء.
المادة 2 : لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع أخر.
وفضلا عن ذلك، لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعا لأفي قيد آخر على سيادته.
المادة 3: لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.
المادة 4: لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما.
 المادة 5 : لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الحاطة بالكرامة.
المادة 6:لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية.
المادة 7 : الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز.
المادة 8 : لأي شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون.
المادة 9: لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا.
المادة 10 : لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه.
المادة 11
1- كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.
2- لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكل جرما بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع عليه أية عقوبة أشد من تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب فيه الفعل الجرمي.
المادة 12: لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تصمن شرفه وسمعته. ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات.
المادة 13
1- لكل فرد حق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة.
2- لكل فرد حق في مغادرة أفي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.
المادة 14
1- لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصا من الاضطهاد.
2- لا يمكن التذرع بهذا الحق إذا كانت هناك ملاحقة ناشئة بالفعل عن جريمة غير سياسية أو عن أعمال تناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
المادة 15
1- لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
2- لا يجوز، تعسفا، حرمان أفي شخص من جنسيته ولا من حفه في تغيير جنسيته.
المادة 16
1- للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أفي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.
2- لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين والمزمع زواجهما رضاء كاملا لا إكراه فيه.
 3- الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.
المادة 17
1- لكل فرد حق في التملك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
2- لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.
المادة 18: لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
المادة 19 : لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
المادة 20
1- لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.
2- لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما.
المادة 21
1- لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وآما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.
2- لكل شخص، بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده.
3- إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دويا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت.
المادة 22 : لكل شخص، بوصفه عموا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية.
المادة 23
1- لكل شخص حق في العمل، وفي حرية اختيار عله، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وفي الحماية من البطالة.
2- لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساو على العمل المتساوي.
3- لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.
4- لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.
المادة 24 : لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصا في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دورية مأجورة.
المادة 25
1- لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترفل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.
2- للأمومة والطفولة حق في رعاية ومساعدة خاصتين. ولجميع الأطفال حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار.
المادة 26
1- لكل شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. ويكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم. ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم.
2- يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام.
3- للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأولادهم.
المادة 27
1- لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه.
2- لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه.
المادة 28: لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققا تاما.
المادة 29
1- على كل فرد واجبات إزاء الجماعة، التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل.
2- لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي،
3- لا يجوز في أي حال أن تمارس هذه الحقوق على نحو يناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
المادة 30 : ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه.




([1])  محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، دار الشروق ، ط1، 1402ه، ص11.
([2])  المرجع السابق، ص12.
([3])  موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
([4])  محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، مرجع سابق، ص12.
([5])  عبر بالملك هنا لأن هذه النظرية ظهرت في عهد أسرة البوربون الحاكمة في فرنسا قبل الثورة الفرنسية 1789م
([6])  أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، ص383.
([7]كتاب العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة ، موقع سفر الحوالي على شبكة الانترنت.
([8])  غانم جواد، الحق قديم حقوق وثائق الإنسان في الثقافة الإسلامية، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ص16-17.
([9])  انظر:
غانم جواد، الحق قديم حقوق وثائق الإنسان في الثقافة الإسلامية، مرجع سابق، ص15.
محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، مرجع سابق، ص14.




الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي( 1990- 2000 ).


 

الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع

الأمريكي( 1990- 2000 )

اسم الباحث : عصام عبد الشافي

عرض : رجب الباسل

شهد العالم المعاصر في العقد الأخير من القرن العشرين العديد من التطورات والتحولات الدولية والإقليمية، والتي أفرزت العديد من الآثار والتداعيات، من أبرزها ما عرف بـ "صحوة الأقليات" حيث شهد العالم بروز موجة من الثورات والصراعات العرقية والدينية والطائفية في العديد من الأجزاء، ترتب عليها العديد من الأضرار والأخطار؛ ففي الوقت التي شكلت فيه الأقليات تحدياً كبيراً يهدد الأمن والاستقرار الداخلي، بل والدولي، كانت هي المتضرر الأكبر من الصراعات التي أثارتها، والتوترات التي ترتبت عليها.

ولم تكن الأقليات الإسلامية في العالم المعاصر بمعزل عن هذه التطورات، فقد كان لها دورها ووجودها الفاعل والمؤثر، هذا الدور الذي اختلف باختلاف المجتمع الذي توجد فيه، والمقومات التي ترتكز عليها، والأهداف التي تسعي إلي تحقيقها.

وفي هذا الإطار برز دور الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، أمام سعي هذه الأقليات إلي تشكيل وترسيخ هويتها المتميزة وسماتها المشتركة في مواجهة الجماعات الأخرى التي يتكون منها المجتمع، وذلك من خلال العمل علي تفعيل أدوارها ونشاطاتها في مختلف المجالات ومنها المجال السياسي، ومن هنا جاءت الدراسة التي تقدم بها الباحث المصري عصام عبد الشافي للحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة تحت عنوان: "الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي 1990 – 2000".

وتنبع أهمية هذه الدراسة أنها تأتى في ظل التطورات العالمية والإقليمية الراهنة، وتزايد الحديث عن مفاهيم العولمة، والحدود المفتوحة، وتزايد الاهتمام بحقوق الإنسان والحريات الدينية، وغير ذلك من الاعتبارات التي تعطي مزيداً من الاهتمام بقضايا الأقليات بصفة عامة، والأقليات الإسلامية بصفة خاصة، نظرًا للأبعاد المتجددة التي اكتسبتها مشاكل هذه الأقليات في ظل هذه التطورات، والمراحل الانتقالية التي يمر بها تطور النظام الدولي المعاصر، والدور الذي يمكن أن تقوم به الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي في إدارة هذه التطورات وتلك الصراعات بما يخدم القضايا والمصالح الإسلامية.

وكذا طبيعة التطورات المجتمعية الهائلة التي تفرض تحدياتها علي الأقليات الإسلامية في الدول الغربية بصفة عامة، والولايات المتحدة بصفة خاصة باعتبارها أهم مراكز التطورات والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

وقد سعت الدراسة للبحث في تأثير قضية الهوية والاندماج، بين أبناء هذه الأقليات في ظل التعدد في الانتماءات والتنوع في الهويات على طبيعة وأبعاد الدور السياسي الذي تقوم به الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وبيان طبيعة العلاقة بين شعور الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي بالتمايز في هويتها، وبوجود قواسم وسمات مشتركة تجمع بين أعضائها، وبين فاعلية الدور السياسي الذي تقوم به داخل هذا المجتمع.

وركزت الدراسة على تناول العلاقة بين عدد من المتغيرات الأساسية هي: الأقلية، والدين، والهوية، من حيث بيان طبيعة هذه العلاقة ومحدداتها، وما ترتب عليها من نتائج وانعكاسات على الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وذلك في إطار محورين؛ يتناول أولهما القضايا، ويتناول الآخر المنظمات.

القضايا: تم التركيز بصورة رئيسية علي الإشارة ـ بإيجاز ـ إلى عدد من القضايا الأساسية التي تشكل محور اهتمام المسلمين في المجتمع الأمريكي، وطبيعة الجهود والنشاطات التي قاموا بها للدفاع عن هذه القضايا، وقد تم تحديد هذه القضايا من واقع نتائج المسح الذي قام به المجلس الإسلامي الأمريكي عام 2000 بين الأقليات والجاليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي لتحديد القضايا الرئيسية التي تشكل محور اهتمامهم.

المنظمات:تم التركيز في إطار تناول الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي علي تناول ـ بإيجاز ـ الجهود والنشاطات التي تقوم بها المنظمات التالية:

1 ـ منظمة أمة الإسلام الأمريكية ـ وتعرف اختصاراً بـ “AIN”.

2 ـ المجلس الإسلامي الأمريكي ـ والذي يعرف اختصاراً بـ “AMC”.

3 ـ مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، ويعرف اختصاراً بـ "CAIR".

والتي جاء اختيارها تحديداً استناداً لعدة معايير من بينها: الأقدم تاريخياً (وهو ما توفر في منظمة أمة الإسلام)، والأنشط سياسياً (وهو ما توفر في المجلس الإسلامي الأمريكي)، والأنشط مدنياً (وهو ما توفر في مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية)، وذلك وفقاً للبيانات والنشاطات والفعاليات التي تقوم بها هذه المنظمات، والأدبيات التي تناولت هذه النشاطات وتلك الفعاليات.

وفي هذا الإطار تم تناول نشأة وتأسيس هذه المنظمات، وبيان الأهداف التي تسعى إلي تحقيقها، ومدي كفاءتها وفاعليتها في تحقيق هذه الأهداف، مع المقارنة بينها من حيث التأسيس، والأهداف، والدور، وفاعلية الأداء، وكذلك مدى توافر المعايير المؤسسية في كل منها من حيث مدى تمتعها بالقدرة على التكيف، والتماسك، والاستقلال، والتعقيد الوظيفي والبنائي.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول :

الفصل الأول: الإطار النظري للدراسة:

كان عام 1776م هو بداية الانتقال إلى أهم مرحلة في التاريخ الأمريكي، حيث تمت الوحدة بين 13 ولاية وإعلان قيام "الولايات المتحدة" كدولة مستقلة، وإذا كانت الولايات المتحدة قد انتظرت نحو 284 عاماً لتعلن استقلالها (1492 ـ 1776) فإنها قد انتظرت 183 عاماً أخرى ليكتمل عقدها، في عام 1959 بانضمام ولايتي "ألاسكا" و"جزر هاواي" إلى الاتحاد الأمريكي.

ومع التحولات التي شهدها المجتمع الأمريكي عبر قرون خمسة ـ هي عمره الرسمي منذ اكتشافه ـ نظر إلى الولايات المتحدة على أنها سلسلة متواصلة من تجارب الحياة التي قدم بها المهاجرون من كل مكان، والتي لم تنجح هذه التحولات في إلغاء خصائصهم المتميزة، هذه الخصائص التي زادت بنية المجتمع متانة وصلابة، وكانت من أهم سماته الراسخة.

وفي إطار هذه الخصوصية كان لقضايا الدين والهوية والأقلية، دوراً محورياً في المجتمع الأمريكي فرغم أن الدستور الأميركي وتعديلاته تؤكد على العلمانية والفصل بين الدين والدولة، فإن الدين كان ـ ومازال ـ يمثل عنصراً أساسياً من عناصر خصوصية المجتمع الأميركي، فالحياة الأميركية تخضع لنظام من القيم، تتفاعل داخله العديد من الأديان ولكن بدرجات مختلفة، تفصل بينها مسافات اجتماعية واتجاهات مذهبية وفكرية تؤكد على هذه التعددية.

وإذا كان الدين في المجتمع الأمريكي ـ كما يرى البعض ـ لا يؤثر في القوانين أو في تشكيل الرأي العام إلا تأثيراً ضئيلاً، فإنه يوجه عادات الجماعة وينظم الدولة عن طريق العديد من المؤسسات الاجتماعية، وإذا كان الدين لا يشترك اشتراكاً فعلياً في حكم الجماعة، فإنه يعد في طليعة المؤسسات السياسية التي تنظم هذه الجماعة.

وفيما يتعلق بقضية الهوية الأمريكية فإنه إذا كانت الولايات المتحدة ينظر إليها ـ في كثير من الأحيان ـ على أنها أمة من المهاجرين، وهؤلاء المهاجرون ولاؤهم الأول لها، وأن الهدف الرئيسي الذي أكد عليه الدستور الأميركي هو الحفاظ على وحدة الدولة، وحماية المجتمع من التفتت والانقسام والصراع، والتأكيد على التسامح الديني والمساواة الاجتماعية والعدالة، والديمقراطية، فإنه على الطرف الآخر يوجد من ينظر إليها على أنها ليست لأحد، وأنه ما كان الأميركيون عبر مراحل تاريخهم المختلفة، أمة واحدة لغوياً أو عقائدياً، أو قومياً، بل إنها مجرد وحدة سياسية فحسب.

وهو ما ترتب عليه تزايد دور الدين والعرقية كمقومات للهوية في المجتمع الأميركي، فالمواطن الأميركي أصبح يشارك في الحياة السياسية والاجتماعية لا بصفته مواطناً أميركياً علمانياً، ولكن ـ غالباً ـ بصفته بروتستانتياً، أو كاثوليكياً، يهودياً أو مسلماً، أو غير ذلك من المذاهب والانتماءات الدينية، إضافة إلى الأصول والانتماءات العرقية والإثنية التي يقوم عليها المجتمع.

بحيث أصبح وجود الأقليات والتعدد الإثني يمثل خاصية أساسية للمجتمع الأمريكي، وجزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحياة فيه، فلم تستطع بوتقة الانصهار وعمليات الامتصاص والاستيعاب المختلفة أن تفرز خلاصة متجانسة التكوين لهذا التعدد الثقافية والإثني.

وفي هذا الإطار جاء تناول خصوصية هذا المجتمع، وقضاياه المحورية (الدين، والأقلية والهوية) مع التأصيل النظري ـ بداية ـ لهذه القضايا.

الفصل الثاني: بزوغ وتبلور الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي

لا يوجد اتفاق حول بداية الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، إلا أن هناك شبه اتفاق حول<طبيعة هذه البداية، فقد وصل المهاجرون المسلمون الأوائل إلى المجتمع في مجموعات صغيرة، واستمروا في موجات متزايدة؛ ووصف هؤلاء المهاجرون بأنهم مغامرون جاءوا إلى العالم الجديد بحثاً عن المال. فخلافاً للمهاجرين الأوربيين، لم يأت المسلمون الأوائل إلى أمريكا لتكون مقراً دائماً لإقامتهم، فقد كانوا يسعون إلى جمع أكبر قدر من المال في أقصر فترة زمنية ممكنة ثم يعودوا إلى بلدانهم. ولكن الكثير منهم توسعت آماله وكبرت أحلامه وضعفت ـ تبعاً لذلك وبمرور الزمن ـ رغبته في العودة إلى بلده، فالذين أحرزوا نجاحات أكبر وتكيفوا مع الحياة الأمريكية وجدوا في علاقاتهم القرابية وعلاقات العمل ما يغنيهم عن أي تنظيمات أخرى.

وتحت تأثير النجاح والقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة، زادت رغبة الكثيرين منهم في البقاء والاستقرار بصفة دائمة وإحضار عائلاتهم من البلد الأم، وقد جذبت قصص نجاحهم أقاربهم وسكان قراهم للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا السبب بدأت تتكون مجموعات من المهاجرين تجمعهم رابطة القرابة أو المعرفة في الوطن الأم، ورابطة الجوار والتفاعل والتآزر في البلد المهاجر إليه.

ثم نظم هؤلاء أنفسهم استجابة لبعض الأحداث الاجتماعية واستجابة لبعض الضغوط والتحديات، التي دفعت المسلمين إلى تلمس الوسائل التي تؤكد وتثبت هويتهم، وكان أهم هذه الوسائل بناء المساجد ووضع البذور المبكرة للتنظيمات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والترويحية.

وفي إطار هذه المراحل جاء تناول بزوغ وتبلور الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، وتم تقسيم هذا الفصل إلي المبحثين التاليين:

المبحث الأول: الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي النشأة والتطور وتناول البدايات الأولى للوجود الإسلامي، ثم تطور وانتشار المسلمين، وكذلك بنية الأقليات

الإسلامية، وخلص الباحث من القراءة الدقيقة لمختلف التقديرات حول عدد المسلمين في المجتمع الأمريكي، إلى أن عدد المسلمين عام 2000، يبلغ (7.15) ملايين مسلم، ارتفع في 2002 نحو (7.5) ملايين مسلم، يتوزعون بين أربع مجموعات أساسية هي:

 

م       الفئة    العدد(المليون) النسبة

1      المسلمون ذوو الأصول الأفريقية     3,61  48,2%

2      المسلمون ذوو الأصول الآسيوية     1,8   24%

3      المسلمون ذوو الأصول الشرق أوسطية      1,4   18.5%

4      المسلمون ذوو الأصول الأوروبية والأمريكية،وأخرى       0,69  9,3%

-       المجموع       7,5   100%

المبحث الثاني: الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي التبلور والنشاط:

تمثل قضية الوجود وتكوين الهوية المتميزة واحدة من أهم القضايا ـ إن لم تكن أهمها ـ التي تواجه المسلمين في المجمع الأميركي، فلقد كانت أهم مشكلة واجهت المسلمين الأوائل في المجتمع الأميركي، هي العقبات النفسية والدينية والثقافية والاجتماعية التي تتعلق بمصيرهم ومصير أبنائهم، وتراثهم وعقيدتهم في مجتمع جديد عليهم في قيمه وفي عاداته، وفي النظم والقوانين التي يسير عليها وفي الاعتبارات التي تحكم التفاعلات بين أفراده. هذه العقبات وغيرها كان لها العديد من الانعكاسات –السلبية والإيجابية – على موقف المسلمين ونظرتهم إلى أنفسهم أولاً، وإلى المجتمع المحيط بهم ثانياً، هذه الانعكاسات كانت بمثابة الأساس الذي قامت عليه هوية المسلمين في المجتمع الأميركي، بما مرت به من تطورات، وما قامت عليه من أبعاد.

وخلص الباحث إلى أن قضية الانفصال والاندماج بين الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، تثير العديد من الأبعاد الأساسية، الدينية والاجتماعية والسياسية، والتي تتعلق بمظاهر وتعبيرات الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، وتقوم على عدد من الجوانب والركائز منها: تناول المسلمين الأمريكيين كأقلية في مجتمع غير مسلم، وتوطين الإسلام في المجتمع الأمريكي وتجاوز حالة العزلة، ومظاهر وآليات الوجود الإسلامي: والتي من بينها: المساجد، والدعوة إلى الإسلام، والتعليم والحاجة إلي تبني سياسة تربوية متكاملة، والمراكز الإسلامية ودورها في نشر مظاهر الحياة الإسلامية، والمنظمات الإسلامية والتحول من الحفاظ على البقاء إلى الفاعلية والانتشار.

الدور السياسي الفاعل

الفصل الثالث: أبعاد الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي:يتطلب الوجود السياسي الفعال للأقليات الإسلامية على الساحة الأمريكية، وعياً واقتناعاً من هذه الأقليات، بأهمية دورها وقدرتها على التأثير على القرار السياسي الأمريكي، ليستجيب لمطالبها واحتياجاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، داخلياً وخارجياً، وبما يساهم في تحقيق الأهداف السياسية من هذا الوجود الإسلامي، والتي من بينها: إثبات الوجود للمسلمين جماعة من الجماعات التي يتكون منها الشعب الأمريكي، وتأمين حقوقهم في المجتمع الأمريكي، وتمكينهم من العيش بصورة تجعل ممارساتهم لحياتهم وشؤونهم الإسلامية، أمراً يحميه القانون، وتحترمه مختلف الجماعات التي يتكون منها هذا المجتمع.

وكذلك إثبات الفاعلية والتأثير على المجتمع الأمريكي، وذلك بطرح الرؤية وتقديم الحلول الإسلامية للقضايا ذات التأثير والأهمية في مختلف المجالات الحياتية، التي يمر بها هذا المجتمع، هذا بالإضافة إلى التأثير على أجهزة ومؤسسات صنع القرار الأمريكي بما يخدم قضايا وتطلعات المسلمين، داخل المجتمع الأمريكي وخارجه..

وفي إطار هذه الاعتبارات قام الباحث بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين :

الأول: محددات الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأميركي:

تتوقف فاعلية الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي على العديد من المحددات التي يرتكز عليها وتؤثر في كفاءته وفعاليته، وفي إطار هذه المحددات تم التمييز بين ثلاثة مجموعات أساسية؛ وهي تلك النابعة من الأقليات الإسلامية ذاتها من حيث موقفها من المشاركة السياسية في المجتمع الأمريكي بصفة عامة، ومدى قدرتها على بناء المؤسسات السياسية ذات الطابع الإسلامي، ومدى توافر القيادة الإسلامية القادرة على توجيه وترشيد العمل السياسي للمسلمين في المجتمع الأمريكي من ناحية

ومن ناحية ثانية تلك المحددات النابعة من المجتمع الأمريكي من حيث رؤيته لهذا الدور، وموقف النظام السياسي الأمريكي من هذا الدور وكذلك موقف جماعات المصالح القائمة في المجتمع الأمريكي، بالإضافة إلى القواعد والتشريعات القانونية التي تحكم العمل السياسي ليس للمسلمين فقط ولكن لمختلف الأقليات والجماعات التي يتكون منها المجتمع الأمريكي.

ومن ناحية ثالثة تلك المحددات النابعة من البيئة الإقليمية والدولية المحيطة، والمتمثلة في التأثيرات المختلفة للأحداث الدولية والإقليمية وخاصة تلك التي ترتبط بالدول أو بالمصالح الإسلامية، في مختلف دول العالم، وانعكاساتها على الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي.

المبحث الثاني: مظاهر الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريك

قضايا الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي:عملية التكيف مع المجتمع الأمريكي من جانب المهاجرين المسلمين، ارتبطت بالعديد من القضايا (الداخلية والخارجية) التي كان لها تأثيراً كبيراً في تفعيل الدور السياسي للمسلمين في المجتمع الأمريكي، وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين مجموعتين من القضايا:

المجموعة الأولي: القضايا الداخلية:

وهي تلك القضايا النابعة من المجتمع الأمريكي، والتي تؤثر وتحدد طبيعة الدور الإسلامي في المجتمع الأمريكي، وعلى فاعلية هذا الدور، ومن بين هذه القضايا: قضية التعليم الإسلامي، وقضية الصورة النمطية السلبية عن المسلمين، وقضايا العنف والمخدرات والتفكك الأسري، ومراجعة قانون الأدلة السرية، وقضايا التمييز العرقي ضد المسلمين.

المجموعة الثانية: القضايا الخارجية:

ويقصد بها تلك القضايا النابعة من الدول والمجتمعات الإسلامية التي تنتمي إليها الجماعات الكبرى التي تتكون منها الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، والتي يمكن أن تؤثر على طبيعة دور هذه الأقليات في المجتمع الأمريكي، وعلى فاعلية هذا الدور، ومن بين هذه القضايا: قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وقضية القدس، وقضية العقوبات ضد العراق، وقضيتا البوسنة وكوسوفا، وقضيتا كشمير والشيشان، وقضية الدعم الإنساني لأفريقيا.

التنظيمات الإسلامية في المجتمع الأمريكي:

مع تعدد القضايا التي تشكل محاوراً لاهتمام الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، تعددت التنظيمات والمؤسسات التي نشأت للدفاع عن حقوق ومصالح المسلمين، وبيان وجهة النظر الإسلامية في هذه القضايا، ورغم التعدد في التنظيمات والجمعيات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، ومع الاعتراف بأهمية كل منها في تفعيل الدور السياسي للأقليات الإسلامية في هذا المجتمع، فإنه ـ لاعتبارات الدراسة وحدودها الزمنية والموضوعية ـ يتم التركيز على ثلاث منظمات فقط، من بين هذه المنظمات من حيث بيان نشأتها، وتطورها ودورها في العمل السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وتتمثل هذه المنظمات في: منظمة أمة الإسلام، والمجلس الإسلامي الأمريكي، ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، وجاء اختيار هذه المنظمات نابعاً من عدة اعتبارات، من بينها، اتساع القاعدة التمثيلية لهذه المنظمات في أوساط المسلمين الأمريكيين، وفاعلية الدور السياسي الذي تقوم به في المجتمع الأمريكي.

الفصل الرابع: تحديات الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي:على الرغم من أن الفترة الزمنية التي تغطيها الدراسة تمتد بين عامي 1990 و2000، إلا أن حدثاً بحجم ما شهدته الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان من الصعب تجاهله، أو تجاهل آثاره وانعكاساته ليس فقط على الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، ولكن أيضاً على مستقبل الوجود الإسلامي في هذا المجتمع، وهو ما كان دافعاً لاعتبار هذا الحدث نقطة فاصلة في تاريخ هذا الدور وذلك الوجود، وعلى أساسه تم تقسيم هذا الفصل، والذي جاء على النحو التالي:

المبحث الأول: تحديات ما قبل أحداث سبتمبر 2001

يواجه الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي بالعديد من التحديات، التي تتفاوت في طبيعتها ما بين سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، وما بين مصدرها، ما بين تلك النابعة من هذه الأقليات ذاتها، أو تلك النابعة من البيئة المحيطة بها سواء أكانت من داخل المجتمع الأمريكي، أو من دول الأصول التي تنتمي إليها العديد من الجماعات والقوميات التي تتكون منها هذه الأقليات، وفي إطار هذا التعدد وذلك التشابك، فإنه في إطار التحديات التي تواجه الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، تم التمييز بين:

التحديات النابعة من الخصائص السلوكية:

وتشمل: التناقض وعدم القدرة على الفهم السليم للإسلام والتراث الإسلامي، والفهم السليم للحضارة الغربية والنظرة العادلة لها، والتحديات التي تواجه الأسر المسلمة، وطبيعة تربية الإنسان في البلدان الإسلامية التي هاجروا منها، وضعف الوعي بأهمية العمل السياسي، والسلبية السياسية.‏

التحديات النابعة من الخصائص التنظيمية ومنها:

غياب التنسيق بين التنظيمات الإسلامية‏، ومحدودية القدرات التمويلية، وعمومية النشاط ونقص الخبرات السياسية، والتحديات المرتبطة بقضايا العضوية، وتحدي التعددية وتشرذم الهوية داخل الأقليات الإسلامية

هذا بجانب التحديات النابعة من طبيعة القضايا التي تدافع عنها، والتحديات النابعة من هيكل صنع القرار، والتحديات النابعة من البيئة السياسية الداخلية والتي من بينها: الصورة السلبية، واللوبي الصهيوني، والتيارات المسيحية الأصولية، والميليشيات المسيحية المسلحة، والجماعات والتيارات الفكرية المتطرفة، والتحديات الإعلامية.

التحديات النابعة من البيئة السياسية الخارجية:

وترتبط هذه التحديات بدرجة كبيرة بالقضايا والأحداث والتحولات التي تشهدها الساحة العربية والإسلامية، والتي ينتمي إليها معظم المسلمين في المجتمع الأمريكي، وتؤثر على دورهم، وممارساتهم داخل المجتمع الأمريكي، ومن أبرز هذه الأحداث والتي تركت تأثيراً سلبياً على الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي (الحرب العراقية الإيرانية بين 1980 و1988، والغزو العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990، وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، وتطورات الأوضاع في عدد من الدول الإسلامية وما تشهده من حروب أهلية وأزمات داخلية وانتشار موجات العنف، واستغلال ذلك لتشويه صورة الإسلام في المجتمع الأمريكي، والخلافات والصراعات السياسية بين معظم الدول الإسلامية، والتي يتم تضخيمها، من جانب وسائل الإعلام المضادة، لتأكيد الصورة النمطية السائدة عن الإسلام والمسلمين في المجتمع الأمريكي).

أزمة اا سبتمبر

المبحث الثاني: تحديات أزمة سبتمبر 2001

تمثل أزمة الحادي عشر من سبتمبر مرحلة فاصلة في تاريخ الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، وذلك أمام ما ترتب عليها من آثار وتحديات، علي الأقليات الإسلامية، وعلي الدور السياسي الذي تقوم به داخل المجتمع الأمريكي، وأمام أهمية الأزمة، وما ترتب عليها، يأتي تناولها علي محورين أساسيين.

أولاً:آثار الأزمة وتداعياتها:

المجموعة الأولي: الآثار السلبية للأزمة ومنها: الخسائر والأضرار المادية، وتزايد حالات الاعتداء على الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وترسيخ الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين في أذهان الأمريكيين، وتهديد حقوق المسلمين في الولايات المتحدة، والتأثيرات السلبية للأزمة على النشاط السياسي للأقليات الإسلامية.

المجموعة الثانية: الآثار الإيجابية ومنها: التزايد الملحوظ في عدد الفتيات المسلمات اللاتي قررن ارتداء الحجاب فيما وصف بأنه رد فعل عكسي ورغبة منهن لإظهار اعتزازهن بدينهن، وأن الأزمة فتحت أمام المنظمات المسلمة الأمريكية، أبواب أكبر المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية، كما خلقت شعورا بالتوحد والتحدي داخل المجتمع المسلم الأمريكي، هذا بجانب تزايد أعداد المترددين بانتظام على المساجد.

وبعد تناول هذه الآثار تناولت الدراسة الإدارة الأمريكية للأزمة، والأساليب التي اعتمدت عليها داخلياً وخارجياً، ورد فعل المنظمات الإسلامية تجاه الأزمة وآثارها وكيفية التعامل معها.

وقد انتهت الدراسة إلى عدد من النتائج الأساسية:

أولاً:أن هناك علاقة ـ نسبية ـ بين حجم الأقلية وشعورها بالسمات التي تمنحها الخصوصية في هويتها، وتميزها عن الجماعات الأخرى في المجتمع، وتتمثل هذه العلاقة في أنه كلما زاد حجم الأقلية وزاد تأثيرها داخل المجتمع، كلما زاد تمسكها بهويتها المتميزة، وحرصها على إبراز عوامل التميز التي تتسم بها (مع ملاحظة وجود استثناءات على هذه القاعدة، وهو ما ينطبق على الأقلية اليهودية في المجتمع الأمريكي فعلى الرغم من قلة عددها فإنها تتميز بقوة التأثير، وشدة التماسك بين عناصرها، وكذلك بشدة حرصها على إبراز العناصر والخصائص التي تميزها).

ثانياً:أن الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي، قد بدأ مع اكتشاف الولايات المتحدة، حيث تحدثت كتابات المؤرخين واكتشافات الجغرافيين عن وجود مسلمين في الرحلات الجغرافية التي تمت لاكتشاف الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن نمو هذا الوجود ظل يسير بمعدلات بطيئة، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث شهدت هذه الفترة تسارع معدلات الهجرات الإسلامية إلي الولايات المتحدة، ارتباطاً بالظروف والمتغيرات الداخلية والدولية في الدول الإسلامية.

ثالثاً:أن الأقليات الإسلامية في الولايات المتحدة لا تعبر عن جماعة واحدة لها سمات وقواسم مشتركة تجمع بين أعضائها وتمنحها هوية واحدة، فالأقليات الإسلامية تتكون من العديد من الجماعات والانتماءات والتصنيفات، والتي في إطارها تم التمييز بين أربع مجموعات أساسية: ذوي الأصول الأفريقية، وذوي الأصول الأسيوية، وذوي الأصول الشرق أوسطية، وذوي الأصول الأوربية والأمريكية.

ولكن هذا التنوع لا ينفي وجود قواسم مشتركة ـ وإن كانت محدودة ونسبية ـ تجمع بين معظم هذه الجماعات أهمها الاشتراك في العبادات الدينية، وأسس المعاملات بين الأفراد والجماعات كما شرعها الدين الإسلامي، وكذلك وجود نوع من الثقة في التفاعل بين المسلمين وبعضهم البعض هذه الثقة التي تستند بالدرجة الأولى إلى قناعة المسلمين بتأثير دينهم في قيم وأخلاقيات أتباعه، يضاف إلى ذلك وجود نوع من التوحد خلف العمل علي الدفاع عن الحقوق الإسلامية، والدعم والمساندة للجهود التي تبذل في عدد من القضايا الرئيسية الداخلية (مثل قضية الحقوق المدنية للمسلمين، والرد على محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ..)، والخارجية (مثل قضية القدس، ..).

رابعاً:أن هناك العديد من المحددات التي تتوقف عليها طبيعة وفاعلية الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، وفي إطار هذه المحددات تم التمييز بين ثلاثة مجموعات أساسية: المحددات النابعة من طبيعة الأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، والمحددات النابعة من المجتمع الأمريكي، والمحددات النابعة من البيئة الإقليمية والدولية المحيطة.

خامساً:أن أحداث سبتمبر 2001، مثلت لحظة انقطاع في القضايا التي تمثل محوراً لاهتمام المسلمين في المجتمع الأمريكي، حيث وضعتهم في موقع انتظار وترقب لما ستسفر عنه الأزمة ورد الفعل الأمريكي الرسمي والشعبي عليها، ولذلك حاولت التنظيمات السياسية ذات التوجهات الإسلامية العاملة في المجتمع الأمريكي، إعادة صياغة قضاياها وتزويدها بمجموعة من القضايا القادرة على جذب اهتمام جماهير المسلمين الأمريكيين، وتفعيل دورهم في المجتمع.

سادساً:أن أحداث سبتمبر لم توقف عجلة تطور الوجود الإسلامي في المجتمع الأمريكي وذلك لعدة اعتبارات من بينها؛ طبيعة هذا الوجود، من حيث استناده على الهوية الإسلامية كمصدر للقيم والتوجهات، مما يجعل المسلمين أقل تعرضاً لضغوط الذوبان السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الأمريكي، فالهوية الإسلامية تمدهم بمصدر دائم للتميز والتفرد والذاكرة الجماعية المستقلة داخل المجتمع الأمريكي.

وكذلك طبيعة تطور هذا الوجود كتطور طبيعي، ليس وليد فترة زمنية محدودة، ولا يرتكز على مؤسسة بعينها أو فرد بذاته أو جماعة سياسية ذات أيدلوجية بعينها، إنما هو تطور طبيعي نتج على مدار فترات تاريخية ممتدة بدأت مع اكتشاف المجتمع الأمريكي ذاته، كما يعتمد في طاقته على قدرات بشرية وفنية من أبناء المسلمين الأكثر قابلية وقدرة على الانخراط في المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية، كما يرتكز على مئات المساجد والمراكز والتنظيمات، وكذلك على جو من حرية الفكر والعبادة يساعد على التحرك بفاعلية.

سابعاً:أن الدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي، يتحرك في الإطار الذي يمكن أن يقود ـ مع الحرص على تفعيل القدرات التي يمتلكها المسلمون في المجتمع الأمريكي ـ إلى مستقبل أفضل، مستقبل يستطيع من خلاله المسلمون الأمريكيون التأثير في صياغة السياسات الأمريكية، الداخلية والخارجية، مستقبل يضمن لهم القدرة ليس فقط على الدفاع حقوقهم ومقدساتهم، ولكن أيضاً السعي نحو تعظيم هذه الحقوق وتلك المكاسب.

وهو ما يتطلب ـ من القائمين والمعنيين بالدور السياسي للأقليات الإسلامية في المجتمع الأمريكي ـ بلورة استراتيجية واضحة تقوم على مبدأي التنوع (في الحاجات والاختصاصات والجماعات وبالتالي في المراكز والهيئات والمنظمات)، والوحدة (في المنهج وفي الأهداف والغايات)، حتى يصبح هذا التنوع إثراء للعمل الإسلامي، ودعماً لمسيرته داخل المجتمع الأميركي.

دراسة إحصائية عن الأقليات الإسلامية في العالم


 

دراسة إحصائية عن الأقليات الإسلامية في العالم

محمد محمود محمدين

أستاذ مساعد : جامعة الملك سعود : كلية الآداب قسم الجغرافيا

تمهيد :

ما زالت الدراسات الإحصائية عن الأقليات في العالم بحاجة إلى مزيد من الجهد وتضافر الجهود ، لما لهذا الموضوع من أهمية بالغة وحتى نخرج بتقديرات أقرب إلى الواقع نسترشد بها في تتبع أحوال هذه الأقليات ، ونعتمد عليها كمؤشر ذي دلالة بالغة لدراسة تطور أعداد المسلمين إليها .

ولعل من أفضل الوسائل التي يمكن أن نعول عليها في هذا المجال ، توثيق الصلات بالأقليات المسلمة والاستعانة بالمراكز الإسلامية والجمعيات والاتحادات الإسلامية المختلفة وأن نبسط لها يد العون والتأييد .

كما يجب ألا نتغافل عما تتعرض له الأقليات المسلمة في أوربا وآسيا وبصفة خاصة في بلغاريا والفلبين والهند وتايلند حيث تدبر لحرب المسلمين والإسلام كل يوم وسيلة جديدة ، فحري بنا نحن المسلمين أن نولي هذا الموضوع ما يستحقه من الدراسات العلمية ، واتخاذ كافة السبل لتوثيق الصلات بهذه الأقليات ودعمها حتى يقوى كيانها وتقف في وجه التيارات التي تتعرض لها ، وهذه أمور لا تنالها الأماني أو تدرك بالوعود المسوفة وإنما لا بد أن نستنفذ الوسائل المعنوية والمادية وأن نسلك في سبيلها كل الدروب الوعرة ، وعلى سبيل المثال يجب أن تتخذ الدول الإسلامية بعض الإجراءات ضد الدول التي تضطهد الأقليات المسلمة لا سيما وأن الدول الإسلامية لها وزنها وتملك الأساليب الفعالة في هذا المجال .

 

أولاً : مشكلة تقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم :

يختلف تقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم بين الباحثين ، فمنهم من يقدر أعداد هذه الأقليات بأقل من 220مليونا ، ومنهم من يقدر أعداد الأقليات المسلمة ، بل إنه يشمل كذلك عدد الدول الإسلامية إذ أن بعض الباحثين يقدر عدد الدول الإسلامية بسبع وخمسين وحدة إسلامية (1) ، وبعضهم الآخر يقدر عدد الدول الإسلامية بخمسين دولة (اثنتين وعشرين دولة آسيوية ، وسبع وعشرين دولة أفريقية ، ودولة أوروبية)(2) .

وفي دراسة أجراها فريق من الباحثين بمجلة Time قدر عدد الدول الإسلامية بسبع وثلاثين دولة على النحو التالي : ( عشرون دولة إسلامية في آسيا ، ست عشرة دولة في أفريقيا ، دولة واحدة في أوروبا هي ألبانيا )(3) .

إذا كان هذا هو الاختلاف في تقدير عدد الأقطار الإسلامية ، فليس من المستغرب إذا أن يكون هناك اختلاف كبير في تقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم .

إن اختلاف الباحثين في اعتبارهم الدولة إسلامية أو غير إسلامية ينعكس أثره ويتردد صداه في تقدير عدد الأقليات المسلمة ، لانه في حالة تقدير الباحث أن دولة ما إسلامية يجعله ملزما بأن يستبعد أعداد المسلمين فيها من الأقليات الإسلامية ، أما إذا اعتبر أن الدولة غير إسلامية فإنه سيضيف سكانها المسلمين إلى أعداد الأقليات المسلمة .

وهناك مجموعة أخرى من العوامل التي لا يمكن تغافلها تحول دون تقديرات صحيحة للأقليات المسلمة في العالم منها :

1. عدم اهتمام كثير من الدول بإحصاء الأقليات الدينية بحجة أن مثل هذه التعدادت تؤدي إلى مشكلات طائفية ، والحقيقة لا يمكن إنكارها ، هي أن بعض هذه الدول تخشى أن يدرك المسلمون أحجام أعدادهم الحقيقية والأثر الذي يمكن أن يؤدي إليه ذلك.

2. يلجأ كثير من المسلمين في الدول الشيوعية إلى إخفاء عقائدهم وشعائرهم الدينية ، والتظاهر باعتناق المعتقدات التي تساير الاتجاه العام للدولة حتى يكونوا بمنأى عن الاضطهادات ولا يحرموا الوظائف الكبرى والحساسة .

3. يعيش معظم المسلمين في أقطار نامية لا تجري إحصاءات حيوية خاصة بعدد المواليد والوفيات والزواج والطلاق وعدد أفراد الأقليات الدينية المختلفة .

4. بينما يسود اتجاه عام بين الشيوعيين والمستعمرين الأوربيين يميل إلى تقدير عدد المسلمين بأقل من عددهم الحقيقي ، فإن هناك من جهة أخرى بعض الباحثين المسلمين الذين يميلون إلى المبالغة في تقدير عدد المسلمين .

5. تتباين التعدادات التي تجريها الأقطار التي تضم المسلمين من حيث مواعيدها ، ودقتها وشمولية معلوماتها ، وكل هذه أمور لا تساعد على التقديرات الصحيحة لأعداد المسلمين ، كما أن هناك أقطارا أفريقية لم تعرف التعدادات وكل ما هنالك من أرقام عن المسلمين ليس إلا تقديرات أجرتها الحملات التنصيرية وفق ما يخدم أغراضها .

6. يدرس بعض الباحثين جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية كوحدات مستقلة ، كما يدخل نفر من الباحثين فلسطين المحتلة في أعداد الأقطار الإسلامية ، بينما يرى بعض الباحثين غير ذلك .

7. لعل من أهم الأسباب التي ينتج عنها اختلاف في تقدير أعداد الأقليات المسلمة بين ا الباحثين ، هو اختلافهم حول تحديد مفهوم الدولة الإسلامية ، هل الدولة الإسلامية هي الدولة التي تزيد فيها نسبة المسلمين على نصف سكانها ؟ أم أن الدولة تعد إسلامية إذا كانت نسبة المسلمين فيها تزيد على أي من نسب أتباع الديانات الأخرى وإن لم تتجاوز هذه النسبة 50% من جملة السكان ، وفي رأيي أن الدولة تعد إسلامية إذا كان المسلمون فيها يمثلون أكبر نسبة بين أي من الديانات المختلفة التي تسود هذه الدولة .

إن كل العوامل السابقة تجسد بما لا يدع مجالا للشك مشكلة تقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم ، وتوضح سبب التباين في تلك التقديرات بين الباحثين .

 

ثانياً : أسس مقترحة لتقدير أعداد الأقليات المسلمة :

إذا ما أردنا أن نصل إلى تقديرات أقرب إلى الواقع فعلينا أن نحسن اختيار أسس موضوعية تتحاشى المبالغة من جهة ، وتتجنب التقديرات التي تصدر عن الجهات المعادية للإسلام والتي تميل إلى تقدير المسلمين بأقل من أعدادهم الحقيقية من جهة أخرى .

ربما كان من أفضل الأساليب التي يمكن الاعتماد عليها في تقدير أعداد الإقليات المسلمة في العالم ، توثيق الصلات بهذه الأقليات المسلمة والاستعانة بها في هذا المجال .

ويجب الاستعانة بالمراكز الإسلامية الموجودة في تلك الأقطار لتتبع أحوال المسلمين وتقدير أعدادهم ، ويمكن إنشاء مراكز إسلامية أخرى في الأقطار التي لم تنشأ بها مراكز . كما يمكن تشجيع الباحثين وتكليف الأكفاء منهم على إجراء البحوث في هذا المجال . وعموماً هناك وسائل أخرى متنوعة يمكن أن تتضافر جهودها في هذا المجال مثل الجمعيات الإسلامية والاتحادات الإسلامية وغير ذلك من الوسائل المختلفة .:

وتتزايد أعداد المسلمين في العالم ما بين 21إلى 25مليونا في السنة*.

ومما تجب الإشارة إليه أن مسلمي آسيا يلقون اضطهاد ويتعرضون للمذابح في بعض المناطق كما هي الحال في الاتحاد السوفييتي ، وفي الفلبين ، وتايلند ، والهند ، التي ذكرت مجلة إرشاد الهندية في يوليو سنة 1984م أن الأقلية المسلمة في الهند قد تعرضت لهجوم الأغلبية الهندوكية مرات عديدة منذ استقلالها حيث آلاف المسلمين في مدن جبل بور وأحمد آباد ، ومراد آباد ، وبومباي ، وأخيراً ما حدث في أسام حيث دمرت قرى المسلمين وذبح الرجال والنساء والأطفال(4) .

 

بالأقليات المسلمة في أفريقيا :

يقدر عدد المسلمين في أفريقيا بأكثر من 293مليونا ، منهم 223مليون مسلم يعيشون في الأقطار الإسلامية أي بنسبة 76% تقريبا ، ويعيش أكثر من 70 مليونا (24%من مجموع المسلمين في أفريقيا) في أقطار غير إسلامية ، ويعد تقدير أعداد الأقليات الإسلامية في أقطار أفريقيا من أهم المشكلات التي تختلف فيها وجهات النظر بين الباحثين ، وقد ظهر هذا الأمر جلياً في البحوث التي قدمها الجغرافيون للمؤتمر الجغرافي الأول الذي عقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في يناير سنة 1979م ، فبينما ذكر بعض الباحثين دولا مثل ساحل العاج والكاميرون وسيراليون وتوغو وبنين ( داهومي ) والحبشة كدول إسلامية ، عدها بعض الباحثين دول أقليات إسلامية كبيرة . ويختلف تقدير نسبة المسلمين في أثيوبيا بين الباحثين ، إذ أن بعضهم يقدرهم بنحو 65% من مجموع السكان (5) وبعضهم يقدرهم بنسبة 48% من مجموع السكان .

 

ومما تجدر ملاحظته أن نسبة المسلمين تزيد بصفة خاصة في شرقي أفريقيا لقربها من شبه الجزيرة العربية ولقدم الهجرات الإسلامية إليها ويكفي أن نشير إلى أن أولى الهجرات الإسلامية كانت إلى الحبشة حينما اشتد أذى الكفار على أتباع محمد عليه السلام فأمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال لهم :" إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ".

وجدير بالذكر أن مسلمي أثيوبيا يلقون معاملات سيئة ويتعرضون للاضطهادات الدينية .

جـ – الأقليات المسلمة في أوربا :

لا توجد في أوربا إلا دولة إسلامية واحدة هي ألبانيا وتقع جنوب شرقي أوربا ، ويصل عدد المسلمين فيها إلى مليوني نسمة .

أما بالنسبة للأقليات المسلمة في أوربا فيصل عددها إلى 15مليونا ، ويعيش في يوغسلافيا وحدها أكثر من خمسة ملايين مسلم .

ويتعرض المسلمون في بلغاريا لضغوط تعسفية وصلت إلى حد إجبار المسلمين بالقوة على تغيير أسمائهم أو إضافة لاحقة بلغارية إلى أسمائهم فيصبح اسم محمد (محمدوف) وأحمد (أحمدوف)، وتحرم السلطة البلغارية إطلاق الأسماء الإسلامية أو غير البلغارية على المواليد الجدد ، وتحرم كذلك أداء الفرائض الدينية الجماعية كصلاة الجمعة والعيد (6) .

وجدير بالذكر أن عدد المسلمين في بلغاريا يصل إلى أكثر من 2,5 مليون مسلم .

وهناك منظمة عالمية للتنصير مقرها أوربا جندت الأموال الطائلة والكفاءات العالية لتنصير المسلمين ويقدر عدد الذين يعملون في مجال التنصير 17مليونا ، وقد قال روي جورج رئيس المنظمة: (ينبغي محاربة الإسلام في نفوس المسلمين المقيمين في أوربا ، وقال : إن الملايين العشرة من المسلمين المقيمين في أوربا هدية بعثها الله لنا )(7) .

د – الأقليات المسلمة في الأمريكتين :

يقدر عدد المسلمين في الأمريكتين بما يقرب من أربعة ملايين مسلم . وتضم الجالية الإسلامية في أمريكا الشمالية أكثر من ثلاثة ملايين من المسلمين منهم أكثر من مليونين من أصل أفريقي .

ويقدر عدد المسلمين في أمريكا الجنوبية والوسطى بنحو 400ألف مسلم .

وهناك منظمات إسلامية عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية لها نشاط ملموس مثل : اتحاد الطلبة المسلمين ولهذا الاتحاد فروع في أكثر الولايات ، وقد أسهم هذا الاتحاد في إنشاء اتحادات أخرى مثل اتحاد العلماء الاجتماعيين المسلمين . واتحاد العلماء والمهندسين المسلمين واتحاد الأطباء المسلمين . وإلى جانب هذه الاتحادات هناك المراكز الإسلامية العديدة والجمعيات .

ولعل أكبر المشكلات التي تواجه الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة ، مشكلة التحزب أو التشرذم بسبب الخلافات الإقليمية التي حملوها معهم من أوطانهم ، بالإضافة إلى التبعثر وعدم التركز في مناطق محددة بسبب اتساع الولايات المتحدة (8) .

هـ – الأقليات المسلمة في أستراليا :

يزيد عدد المسلمين في أستراليا على 300ألف مسلم ، وقد عرف الإسلام طريقه لأستراليا في فترة استكشافها حينما استخدم الإنجليز الإبل وسيلة للتنقل في مناطق أستراليا الصحراوية ، واستعانوا ببعض المسلمين من أفغانستان وباكستان لقيادة تلك الإبل ، وقد أنشأ هؤلاء المسلمون المساجد ، لذا فليس غريبا أن يقول أحد المكتشفين الإنجليز بأن صوت الأذان دوي في أرجاء القارة الأسترالية قبل أن تدق أجراس الكنائس (9) .

ويوجد في أستراليا خمس وخمسون جمعية إسلامية ، وأكثر من 35مسجداً ومركزاً إسلامياً ، ومعظم مسلمي أستراليا من أصل لبناني وأستراليا من القارات التي يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من المسلمين ، لذا يجب العمل على دعم الأقليات الإسلامية وتشجيع هجرة المسلمين إليها .

الخاتمة

إن معرفة عدد الأقليات المسلمة في أقطار العالم المختلفة هو أمر بالغ الأهمية ، لأنها مؤشر ذو دلالة في مجال تطور أعداد المسلمين وزيادتهم ، سواء أكانت هذه الزيادة وليدة النمو السكاني ، أم نتيجة للهجرة من الكفر إلى الإسلام ، والهجرة من الكفر إلى الإسلام مصدر مهم ينبغي تتبعه ودراسة كافة الوسائل التي يمكن أن تسهم في تنميته .

ولاشك أن هذا الموضوع ليس سهل القياد ، وإنما تحول دونه صعوبات عديدة سوف يتعرض التقرير لنماذج منها ثم يقترح وضع أسس لتقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم.


(1)  -  غلاب محمد السيد ، حسن عبد القادر ، محمود شاكر (البلدان الإسلامية والأقليات الإسلامية في العالم     المعاصر ) من مطبوعات المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول ، صفر سنة 1399هـ/يناير سنة 1979م .

(2)  - محمد محمود ،(خريطة العالم الإسلامي) ، دراسات مجلة كلية التربية ، جامعة الملك سعود ،م 4سنة1982م، ص 210 .

(3)  - The Weekly Newsmagazine Time, April 16, 1979, PP.6-16. The, World of Islam

* حسبت الزيادة حسب معدلات متوسط النمو السنوي للسكان في كل دولة من الدول التي تضم المسلمين اعتمادا على معدلات النمو السنوي في تقارير الأمم المتحدة عن التنمية في العالم سنة 1984م .

(4)  -  جريدة الشرق الأوسط ، السبت ، 11/5/1985م ، ص14.

(5)  - محمود شاكر ، (العالم الإسلامي) ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، ط2، سنة 1403هـ ، ص42 .

(6)  - جريدة الشرق الأوسط ، 22 /3/1985م، ص10 .

(7)  - المسلمون ، جريدة المسلمين الدولية ، 30رجب 1405هـ ، ص10 .

(8)  -  غلاب محمد السيد ، وآخران (البلدان الإسلامية والأقليات المسلمة)، مرجع سبق ذكره ، ص770 .

(9)  -  تقرير بعثة الأزهر إلى أستراليا ، جريدة الشرق الأوسط (العدد1866) في 4/4/1404م .